مايو 2007   العدد 124 

 

 

تأملات من الحياة

من منظار سن التسعين

    أكتب هذا المقال اليوم بأسلوب أتوخي فيه أن أكون بعيدا عن كل المصطلحات العلمية المعقدة والعبارات الطبية اللاتينية حتى أحادث الشباب الذي عشت فيه ولمسته لفترة من حياتي وكنت أظنها تدوم إلى الأبد.. ولماذا تنتهي أو تتغير؟ ألست أتمتع فيها بعنفوانها وشمسها المشرقة كل صباح.. لقد أمتطيت صهوة جواد الحياة منذ اكثر من تسعين عاما وأخذ يقفز بي الجواد كما تفعل سائر الأفراس هادئة في بعض الأحيان وجامحة في كثير من لحظاتها.. كانت مركب الحياة تنسال على سطح مياه النهر ويحيط بها من كلا الجانبين نباتات وزهور يانعة جميلة الألوان ولم يخطر في الذهن إطلاقا أن هذه الزهور الجميلة سوف تضمر غدا سواء شئت أو لم تشأ.

    كانت هناك الطفولة البريئة التي لاتدري معني الأمس أو الغد ولا تحمل من هموم الحياة أي قطرة من قطرتها.. وتنمو الطفولة إلى الصبا والفتوة وكأن الفتي كما يقولون يحس وكأنه ليس على الأرض سواه. ثم إذا به ينتقل تدريجيا إلى الشباب في نضرته.. شباب يكافح الحياة - ويعلم أو هكذا يظن- أنه الغالب لا محاله.. وكلما أزداد الشباب نضجا تتبلور في ذهنه أكثر وأكثر فكرة أن هناك إلى جانب مظاهر القوة والنجاح يوجد عند آخرين بعض مظاهر الضعف والتدهور ولكن تلك المظاهر يمكن أن تحدث لأي شخص آخر إلا له نفسه.. وأما هو فيظل في تصميمه يكافح في غير كلل ولا يعبأ بما قد يحدث لغيره فهو يمتلك زمام جواده ويوجه دفة المركب لتسير كما يشاء. وأمام هذه التصور يتمادي في التحدى وأن يتحمل أكثر مما يستطيع.

    لازلت أذكر ذلك اليوم الفاصل الذي يمثل الصدمة الأولى – وكان يمكن أن تكون الأخيرة- حيث كنت أحاضر لطلبتي عدة ساعات متوالية دون أن أعطي لنفسي لحظة للراحة أو الطعام وبعدها قدت سيارتي لمسافات غير قصيرة وقمت ببعض الأعمال المنزلية ثم تطوعت لأنقل آلة الكومبيوتر من مكان إلى آخر خارج المنزل.. وأخيرا عدت منهكا إلى المنزل وبدأت أحس بألم شديد في الصدر أخذ يتزايد م مسير الليل حتى أصبحت في الثالثة صباحا فأنبأت زوجتى التي قامت مباشرة لنقلي بسيارتها إلى المستشفي بعد أن أتصلت بالطبيب المختص. لم أكن أدري أنه كان ينبغي أن أطلب سيارة الاسعاف التي لديها استعدادات خاصة وأن مجرد الانتقال في هذه الحالة بسيارة تهتز مع الطريق فيه خطورة شديدة.. ولكن كيف انتقل في سيارة اسعاف.. إن ذلك يمكن أن يكون لأي شخص آخر. وقضيت في حجرة الانعاش حولي عشرة أيام متوالية بين الحياة والموت.

    لا أنكر أن هذا الحادث كان صدمة نفسية كما كان عثرة جسدية سببت لي إصابة في القلب عولجت مع الزمان. أما من الناحية السيكولوجية فأقل ما يقال فيها إنها حطمت كبرياء الرجولة وأعطتني منظارا جديدا للحياة. أصبحت هناك مستلزمات جديدة من الحرص والاحساس بالتواضع والتردد قبل الاقدام على أي عمل. إلا أن كل هذا كان بدء المتاعب لهذه المركب التي اخذت تتحطم تدريجيا من اليمين واليسار. أخذت أفحص نفسي كل يوم.. فإذا بي أجد أن هذا الهيكل الجسدي الذي ألبسه إنما يتأكل يوما بعد يوم من كل ناحية من نواحيه.. لقد أصبح واضحا أمامي أن جميع الحواس أصبحت تضعف تدريجيا كما وأن مفاصل القدمين أصبحت مصدرا للألم في بعض الاحيان.

    لا زلت أذكر كيف كنت في مرحلة الشباب أمارس رياضة الهوكي على العجل ساعات وساعات في كل يوم..  كنت أقفز وأدور على العجل بسرعة فائقة للحاق بالكره وقذفها بعنف لتصيب المرمي.. لم أكن أعرف أنه بين عظمة الساق وعظمة الفخد يوجد طبقة معينة من مادة تمنع احتكاك العظمتين اللتين يحملان كل هذا الجسم وفي حركاته العنيفة... ولكن مع الأسف مع الزمن أخذت هذه الطبقة تتأكل وتضعف وتقل حتى أصبحت العظمتان أحداهما على الآخرى مباشرة ولا سبيل إلى إصلاحها إلا بعملية جراحية لتغيير مفصل الركبة بأجمعه.. ولكن.. هناك طبيب القلب الذي يملك أن يقول كلمة "لا" .. فالقلب لا يتحمل .. وهكذا أصبح الحكم واجب النفاذ بأن أسير ببطء وفي ألم إلى أن أعجز تماما عن السير . ليس هذا الأمر خاصا بالجسد فقط بل آثار نفسية لا تقل في احساسها السيء.. لقد أصبحت أجد صعوبة شديدة في صعود السلالم أو حتى في الوقوف فترة طويلة حيث ينبغي أن اقف كما يقف الآخرون في الكنيسة أو عند اللقاء مع الآخرين. ما أصعب هذا التفارق بين ذلك الشاب في الماضي الذي كان يمارس الرياضة ويجري ويقفز وبينه الآن عندما لا يستطيع أن يقف لتحية الآخرين وإذا ذهب إلى الكنيسة ينظر إليه الآخرون كأنه رجل مستهتر لا يؤدى واجب الوقوف عندما ينبغي.

    وبدأت ألاحظ الضعف التدريجي في النظر .. بل ولعله كان موجودا من قبل ولكي لم أعبأ به.. وعندما بدأت أحس أن هذا الضعف يتزايد كان لابد وأن ألجأ إلى أكثر أطباء العيوم تخصصا.. وإذا بي أتلقي صدمة جديدة .. إن لدي نوعين من المرض.. الجلاكوما الذي يسبب تزايدا في ضغط السائل داخل حدقة العين وبهذا تقتل تدريجيا الاطراف العصبية الحساسة للبصر. ومرض الكاتراكت الذي يسبب غشاوة على الطبقة العليا من عدسة الابصار.. إن الغالبية الساحقة من كبار السن يصابون بمرض أو آخر منهما وقد يكون بهما معا.. ولو أن الغشاوة العدسية (الكاتراكت) حدثت وحدها لأمكن في ضوء العلم الحديث تغيير العدسية وتركيب عدسة جديدة أو إجراء عملية أخرى حديثة لعلاجها. ولو أن مرض ارتفاع ضغط العين لوحظ من مبدئه لأمكن علاجه ببساطة بعملية الليزر الحديثة وأما أن يتأزم الموقف من المرضين معا في وقت متأخر فهذا سوء المقال. فالعلاج معقد ويستلزم زمنا ولن تعود الأعصاب البصرية كما كانت.. هكذا أصبح لزاما على أن أواجه مسئوليات جديدة لها أثرها النفسي.. فأنا لا أقود السيارة في المساء إطلاقا ويلزم أن ألبس نظارات معينة في النهار سواء للسيارة أو غيرها.. كما يلزم أن أسير في بطء وحرص وإلا يؤدي الاهمال إلى ما لا تحمد عقباه.

    ثم إذا بالسمع يضعف .. و السمع هو وسيلة الاتصال والتفاهم مع الآخرين. ونحمد الله أن الطب استطاع أن يصل إلى أختراع السماعات داخل الأذن ويمكن التحكم فيها إلى حد ما حتى تسمى بوضوح أصوات الآخرين.. كنت مترددا في المبدأ أن أستخدمها نظرا للكبرياء الإنساني.. ولكن عندما يرى الانسان أنه مضطر للاجابة على سؤال لا يسمعه بوضوح وإذا أجاب خطأ أصبح أضحوكة ومصدرا للسخرية، أصبح من وأجبه أن يختار أقل الضررين وبالتدريج بدأ يبرر لنفسه مظهره الجديد بالسماعات في أذنيه كما يلبس الإنسان النظارات على عينيه.

    ومع كل هذه التدهورات الجسدية فإن الأثر النفسي لكبر السن والاقتراب من غروب الشمس وبأن الإنسان أصبح حملا على غيره من الأقرباء والأصدقاء إنما يخلق ألما نفسيا يزيد من رغبة الانسان في تغيير هذا الهيكل الجسدي وارتداء الهيكل الابدي.

    إن الصداقة تلعب دورا بالغ الأهمية في هذه المرحلة من الحياة. وكلما كان للفرد أصدقاء محبين ومخلصين يفكرون فيه كما يفكر فيهم تتغير النظرة السوداء إلى ابتسامة سعيدة.. كم من الأفراد لا يحافظون على  صداقاتهم مما يؤدي إلى احساسهم العميق بأن الوحدانية هي مصدر البؤس والانكماش في هذه الفترة  من الحياة.. الصداقة هي مصدر الاحساس بالحب والسعادة..

    لا أود أن أستبعد من كل هذه الصورة صداقة الإنسان لله. فالمرحلة الأخيرة هي مرحلة التأمل التحليلي لكل ما أديت في حياتك كإعداد لهذه الفترة التي يسدل عليها الستار قريبا أو بعيدا.. وأحس أحساسا واضحا- كما يحسه أي شخص أخر- أنه مهما أديت من واجبات أو أعمال في هذا الطريق فهو قليل وقليل جدا بالنسبة لما ينبغي أن يكون. إن مشاغل الحياة بما فيها من اغراءات وكبرياء تجعل الانسان هنا أنه دون الصفر.. إن هذه التمثيلية منذ الطفولة بكل ما تلبس فيها من أدوار في الصبى والشباب والنضج والكهولة تظل تمر أمامه يوما بعد يوم كأنها مرآة تعيد هذه الفترات الطويلة وكأنها لحظات سريعة منعكسة على تلك المرآة .. ويظل الانسان يردد أمام نفسه .. كنت أود لو عرفت .. كنت أود لو عملت.. إن كل ما يؤديه الإنسان في حياته نحو الله ليس فضلا ولكنه كان واجبا يؤدي إلى سعادة شخصية فما كان أحزانا أن تقوم حقا بكل ما ينبغي. كم منا كان يفكر في شبابه أن معرفة الله الحقه هي مصدر النور والسعادة وليست مباهج الحياة وزينة النجاح فيها للتغلب على تحدياتها ما كان أحرانا أن نعمل لأن نصل للنور الحقيقي.

     ألا ليت الشباب يعود يوما !!!


بقلم د.  ماهر كامل

 

 Copyright © 2007  ALHOREYA  ™. All rights Reserved

Site Designed by  ® Media Center